فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قوله: {إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ}.
فيه أوجهٌ:
أحدُها: أنَّه متعلق بـ {حافِظون} على التضمين. يعني مُمْسِكين أو قاصِرين. وكلاهما يتعدى ب على. قال تعالى: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37] الثاني: أن على بمعنى مِنْ أي: إلاَّ مِنْ أزواجهم. ف على بمعنى مِنْ، كما جاءَتْ مِنْ بمعنى على في قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم} [الأنبياء: 77]، وإليه ذَهَب الفراءُ. الثالث: أَنْ يكونَ في موضع نصبٍ على الحالِ. قال الزمخشري: أي إلاَّ والين على أزواجِهم أو قَوَّامين عليهنَّ. مِنْ قولِك: كان فلان على فلانةَ فمات عنها، فخلف عليها فلانٌ. ونظيرُه: كان زيادٌ على البصرة أي: واليًا عليها. ومنه قولُهم: ثلاثةٌ تحت فلان، ومِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ المرأةُ فِراشًا. الرابع: أنه متعلق بـ محذوفٍ يَدُلُّ عليه غيرُ مَلومين. قال الزمخشري: كأنه قيل: يُلامُون إلاَّ على أزواجِهم أي: يلامون على كلِّ مباشِر إلاَّ على ما أُطْلِقَ لهم فإنهم غيرُ ملومين عليه. قلت: وإنما لم يَجْعَلْه متعلقًا بـ {ملومين} لوجهين. أحدهما: أنَّ ما بعد إنَّ لا يَعْمل فيما قبلها.
والثاني: أنَّ المضافَ إليه لا يَعْمل فيما قبلَ المضاف، ولفسادِ المعنى أيضًا.
الخامس: أَنْ يُجْعل صلةً لحافظين. قال الزمخشري: مِنْ قولِك: احفَظْ على عِنَانَ فرسي، على تضمينِه معنى النفي كما ضُمِّن قولُهم: نَشَدْتُك باللهِ إلاَّ فَعَلْتَ معنى: ما طَلَبْتُ منك إلاَّ فِعْلَك. يعني: أَنَّ صورتَه إثباتُ ومعناه نفيٌ.
قال الشيخ بعدما ذكَرْتُه عن الزمخشري: وهذه وجوهٌ متكلَّفَةٌ ظاهرٌ فيها العُجْمَةُ قلت: وأيُّ عُجْمَةٍ في ذلك؟ على أنَّ الشيخَ جعلها متعلقةً ب {حافظون} على ما ذكره مِنَ التضمين. وهذا لا يَصِحُّ له إلاَّ بأَنْ يرتكبَ وجهًا منها: وهو التأويلُ بالنفيِ ك نَشَدْتُك الله لأنه استثناءٌ مفرغ، ولا يكونُ إلاَّ بعد نفيٍ أو ما في معناه.
السادس: قال أبو البقاء: في موضعِ نصبٍ ب حافِظُون على المعنى؛ لأنَّ المعنى: صانُوها عن كل فَرْجٍ إلاَّ عن فروجِ أزواجِهم. قلت: وفيه شيئان، أحدهما: تضمين {حافظون} معنى صانُوا، وتضمينُ على معنى عن.
قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ} ما بمعنى اللاتي. وفي وقوعها على العقلاءِ وجهان، أحدهما: أنها واقعةٌ على الأنواعِ كقوله: {فانكحوا مَا طَابَ} أي: أنواعَ. والثاني: قال الزمَخشري: أُريد من جنسِ العقلاءِ ما يَجْري مجرى غيرِ العقلاءِ وهم الإِناثُ. قال الشيخ: وقوله: وهم ليس بجيدٍ؛ لأنَّ لفظَ هم مختصٌّ بالذكورِ، فكان ينبغي أَنْ يقولَ: وهو على لفظ ما. أو وهُنَّ على معنى ما قلت: والجواب عنه: أن الضميرَ عائدٌ على العقلاءِ، فقوله وهم أي: والعقلاءُ الإِناث. اهـ.

.قال مجد الدين الفيروزابادي:

بصيرة في أفلح:
أَصل المادّة للشقّ. وسُمّى الفَلاَّح لكونه يشق الأرض.
وفى المثل: الحديدُ بالحديث يُفْلَح. والفَلاَح: الظفر، والفوز بالبُغْية. وذلك ضربان: دينوىّ، وأُخروىّ.
فالدّنيوى: نيل الأَسباب الَّتى بها تطِيب الحياة. وهى البقاءُ، والغِنى، والعز.
والأُخروىّ: أَربعة أَشياءَ: بقاءٌ بلا فناءٍ، وغنى بى فقرٍ، وعز بلا ذُلٍّ وعلم بلا جهل.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ لا عيش إِلا عيش الآخرة».
وقد وُعد الفَلاَحُ في القرآن لأَربعة عشر:
الأَوّل للمتقين: {وَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
الثَّانى: لدُعاة الخير: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} إِلى قوله: {أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
الثالث: لأَتْباع خاتم المرسلين: {وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
الرّابع للمجاهدين، والغُزاة {لَاكِنِ الرَّسُولُ} إِلى قوله: {أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
الخامس: للمصلحين: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}.
السّادس: للمكثرين من صالحات الأَعمال: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
السّابع: للمطيعين {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ} إِلى قوله: {المُفْلِحُونَ}.
الثامن: لأَرباب السّمْع والطَّاعة: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ} الآية.
التَّاسع: أَهل الإِخلاص واليقين {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} إِلى آخر الآية.
العاشر: لأَهل الإِحسان: {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} إِلى قوله: {المُفْلِحُونَ}.
الحادى عشر: لحزب الله وأَهل طاعته {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
الثانى عشر: للأَسخياءِ الكرماءِ: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
الثَّالث عشر: المطهَّرون من الأَلواث: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى}.
الرّابع عشر: للمؤدّين فرض الزَّكاة: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}.
وأَمّا قوله: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} فصحّ أَنَّهم قصدوا به الفَلاَح الدّنيوىّ.
وقول المؤذن: حَىّ على الفلاح أَى على الظَّفر الذى جعله الله لنا في الصّلاة. اهـ.

.تفسير الآيات (8- 11):

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان ذلك من الأمانات العظيمة، أتبعه عمومها فقال: {والذين هم لأماناتهم} أي في الفروج وغيرها، سواء كانت بينهم وبين الله كالصلاة والصيام وغيرهما، أو في المعاني الباطنة كالإخلاص والصدق، أو بينهم وبين خلق كالوادئع والبضائع، فعلى العبد الوفاء بجميعها- قاله الرازي.
ولما كان العهد أعظم أمانة، تلاها به تنبيهًا على عظمه فقال: {وعهدهم راعون} أي الحافظون بالقيام والرعاية والإصلاح.
ولما كانت الصلاة أجلّ ما عهد فيه من أمر الدين وآكد، وهي من الأمور الخفية التي وقع الائتمان عليها، لما خفف الله فيها على هذه الأمة بإيساع زمانها ومكانها، قال: {والذين هم على صلواتهم} التي وصفوا بالخشوع فيها {يحافظون} أي يجددون تعهدها بغاية جدهم، لا يتركون شيئًا من مفروضاتها ولا مسنوناتها، ويجتهدون في كمالاتها، وحّدت في قراءة حمزة والكسائي للجنس، وجمعت عند الجماعة إشارة إلى أعدادها وأنواعها، ولا يخفى ما في افتتاح هذه الأوصاف واختتامها بالصلاة من التعظيم لها، كما قال- صلى الله عليه وسلم-: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة».
ولما ذكر مجموع هذه الأوصاف العظيمة، فخم جزاءهم فقال: {أولئك} أي البالغون من الإحسان أعلى مكان {هم} خاصة {الوارثون} أي المستحقون لهذا الوصف المشعر ببقائهم بعد أعدائهم فيرثون دار الله لقربهم منه واختصاصهم به بعد إرثهم أرض الدنيا التي قارعوا عليها على قتلهم وضعفهم أعداءَنا الكفار على كثرتهم وقوتهم، فكانت العاقبة فيها لهم كما كتبنا في الزبور {إن الأرض يرثها عبادي الصالحون} {لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} [إبراهيم: 13، 14] {الذين يرثون الفردوس} التي هي أعلى الجنة، وهي في الأصل البستان العظيم الواسع، يجمع محاسن النبات والأشجار من العنب وما ضاهاه من كل ما يكون في البساتين والأودية التي تجمع ضروبًا من النبت: فيحوزون منها بعد البعث ما أعد الله لهم فيها من المنازل وما كان أعد للكفار لو آمنوا أو لم يخرجوا بخروج أبويهم من الجنة {هم} خاصة {فيها} أي لا في غيرها {خالدون} وهذه الآيات أجمع ما ذكر في وصف المؤمنين، روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في التفسير من جامعه عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنهم- قال: «كان إذا نزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فنزل عليه يومًا فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت على عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم العشر» ورواه النسائي في الصلاة وقال: منكر لا يُعرَف أحد رواه غير يونس بن سليم ويونس لا نعرفه، وعزى أبو حيان آخر الحديث للحاكم في المستدرك.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: فصل في افتتاحها ما أجمل في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير} [الحج: 77] وأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع، ولالتحام الكلامين ما ورد الأول أمرًا والثاني مدحه وتعريفًا بما به كمال الحال، وكأنه لما أمر المؤمنين، وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله، كان مظنة لسؤاله عن تفصيل ما أمر به من العبادة وفعل الخير الذي به يكمل فلاحه فقيل له: المفلح من التزم كذا وكذا، وذكر سبعة أضرب من العبادة هي أصول لما وراءها ومستتبعة سائر التكاليف، وقد بسط حكم كل عبادة منها وما يتعلق بها في الكتاب والسنة؛ ولما كانت المحافظة على الصلاة منافرة إتيان المأثم جملة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] لذلك ما ختمت بها هذه العبادات بعد التنبيه على محل الصلاة من هذه العبادة بذكر الخشوع فيها أولًا، واتبعت هذه الضروب السبعة بذكر أطوار سبعة يتقلب فيها الإنسان قبل خروجه إلى الدنيا فقال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}- إلى قوله: {ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} وكأن قد قيل له: إنما كمل خلقك وخروجك إلى الدنيا بعد هذه التقلبات السبعة.
وإنما تتخلص من دنياك بالتزام هذه العبادات السبع، وقد وقع عقب هذه الايات قوله تعالى: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} ولعل ذلك مما يقرر هذا الاعتبار ووارد لمناسبته- والله أعلم، وكما أن صدر هذه السورة مفسر لما أجمل في الآيات قبلها فكذا الآيات بعد مفصلة لمجمل ما تقدم في قوله تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة} [الحج: 5] وهذا كاف في التحام السورتين والله سبحانه المستعان- انتهى. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

الصفة السادسة: قوله تعالى: {والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون}.
قرأ نافع وابن كثير {لأمانتهم} واعلم أنه يسمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدًا، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] وقال: {وَتَخُونُواْ أماناتكم} [الأنفال: 27] وإنما تؤدي العيون دون المعاني فكان المؤتمن عليه الأمانة في نفسه والعهد، ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضًا على ما أمر الله تعالى به كقوله: {الذين قَالُواْ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا} [آل عمران: 183] والراعي القائم على الشيء لحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية، ويقال من راعى هذا الشيء؟ أي موليه.
واعلم أن الأمانة تتناول كل ما تركه يكون داخلًا في الخيانة وقد قال تعالى: {يا أَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وَتَخُونُواْ أماناتكم} [الأنفال: 27] فمن ذلك العبادات التي المرء مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل في ذلك، لأنها إما أن تخفى أصلًا كالصوم وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفى كيفية إتيانه بها وقال عليه السلام: «أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته» وعن ابن مسعود رضي الله عنه: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة» ومن جملة ذلك ما يلتزمه بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما.